فصل: مسألة لا قطع على من سرقه في مرات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة سرق أجنبي من بعض بيوت السكان شيئا:

وقال مالك في الدار تكون للرجل بابها مفتوح أو لعله لا باب له يدخل بغير إذن قد حجر الرجل على نفسه في ناحية منها وليس لأحد معه فيها شرك فيسرق السارق بعض ما في حجرة من بيوتها فيؤخذ وقد خرج به من البيت إلى الموضع الذي يدخل بغير إذن، قال: لا أرى عليه قطعا حتى يخرج من الدار كلها، ولا أراها كالدار المشتركة، قال ابن القاسم وهو رأيي.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الرجل إذا أذن للناس في الدخول إليه في دار سكناه إذنا عاما كالعالم والطبيب أو الرجل يحجر على نفسه في بيت من داره ويترك بابها مفتوحا لمن جاء إليه لما قد يشق عليه من الخروج إلى باب الدار لكل من أتاه وقصده فسرق بعض من دخل الدار من بعض بيوتها التي قد حجرها عن الناس فلا قطع على من سرق منها حتى يخرج بما سرقه منها عن جميع الدار لأن الدار من بقية الحرز وليست كالمحجة وإن كان قد أذن فيها لجميع الناس لأنهم لم يدخلوها إلا بإباحة صاحبها، وإنما لم يسقط عنه القطع إذا خرج بما سرقه عن جميع الدار كالضيف على مذهب ابن القاسم لأن الضيف خصه بالإذن فصار مؤتمنا فيما أخذ وكان له فيما أخذ على مذهبه حكم الخائن لا حكم السارق، فالمسألة صحيحة بينة لا اختلاف فيها بخلاف الدار المشتركة بين السكان فيها خاصة تلك إن سرق بعض السكان فيها من بعض يقطع باتفاق، وإن لم يخرج بما سرقه من الدار ولا دخل به بيته، وإن سرق أجنبي من بعض بيوت السكان شيئا فأخذ في الدار قبل أن يخرج منها، فقيل إنه يقطع، وقيل إنه لا يقطع، من قال إنه لا يقطع في الأول يقول يقطع في الثاني، ومن قال إنه يقطع في الأول يقول أنه لا يقطع في الثاني؛ لأن الصحن حرز عن الأجنبيين وليس بحرز عن السكان إن سرق بعض السكان من الصحن شيئا لم يقطع باتفاق وإن دخل في بيته أو خرج به من الدار، وإن سرق أجنبي من الصحن شيئا فأخرجه من الدار قطع باتفاق، فمن غلب أنه حرز يقول إن الأجنبي إذا سرق من بيت من البيوت شيئا وأخذ في الدار لم يقطع وإن سرق من الصحن شيئا قطع لأن الأول لم يبن به عن الحرز والثاني أخرجه من الحرز، ومن غلب أنه ليس بحرز يقول إن الأجنبي إذا سرق من بيت من البيوت شيئا وأخذ في صحن الدار قطع، وإن سرق من صحن الدار شيئا لم يقطع وإن أخرجه من الدار، وهذا إذا كان ما في الصحن قد نسيه فيه بعض أو وضعه فيه ثم قام عنه وتركه، وأما إن كان جالسا على متاعه الذي وضعه في الصحن إن كان ذلك الموضع الذي وضع فيه المتاع موضعا معروفا له كمعلف الدابة فحكمه في سرقة السارق إياه حكم ما سرق الشراك من بيوت الدار كان من السكان فيها أو من الأجنبيين يبين هذا ما يأتي في رسم أوصى من سماع عيسى من قول مالك في السفيه حسبما سنبينه إن شاء الله.
وأما الدار المشتركة بين السكان فيها المباحة قاعتها لجميع الناس كالفنادق والتي في قاعتها البيع والشراء فهذه إن سرق منها سارق قطع باتفاق وإن أخذ قبل أن يخرج من الدار وبالله التوفيق.

.مسألة الغسال يأخذ ثيابا يغسلها فيخرج إلى البحر:

ومن كتاب شك في طوافه:
وسئل مالك عن الغسال يأخذ ثيابا يغسلها فيخرج إلى البحر فيغسلها وينشرها يجففها فيسرق منها وهو معها لعمله أن يكون مشتغلا ببعضها يغسله وما أشبه ذلك مما يعالج إلا أنه معها أترى على من سرقها قطعا؟ ففكر فيها طويلا ثم قال: لا أرى في ذلك قطعا، وإنما مثل ذلك عندي الغنم، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا أواها المراح أو الجرين» فالغنم قد يكون معها صاحبها يرعاها وهي في الرعي فليس على من سرقها قطع فهذا عندي يشبهه، ولا أرى على من سرقها قطعا، وسئل مالك عن الصباغين الذين يأخذون أمتعات الناس من القطف والثياب الصوف والقطن يصبغونها ألوانا فينشرونها على حبال يمدونها على حوانيتهم في الطرق فيسرق بعض ما على بعض تلك الحبال أترى أن يقطع من سرق مما عليها شيئا؟ قال: ذلك عندنا مثل ما وصفت لك ولا أرى فيها قطعا، ولعله يذهب ويتركها أو يطرحها الريح وما أشبه هذا، فلا أرى في ذلك قطعا.
قال محمد بن رشد: شبه مالك المسألة الثانية بالأولى فلم ير فيها قطعا، وموضع الشبه بينهما أنها في المسألتين جميعا ثياب موضوعة في غير ملك لا حارس عليها؛ لأن الغسال الذي نشر ثيابه يجففها بعد أن غسل بعضها إنما هو مشتغل بغسل ما بقي منها لا يحفظ ما نشر منها، فأشبهت عنده الغنم في الرعي وإن كان معها راع؛ لأن الراعي لا يحوط بحفظها من السرقة لانتقالها بالرعي من موضع إلى موضع كما لا يحوط الغسال بحفظ ما نشر من ثيابه من السرقة لاشتغاله بغسل ما سواها، ولو كان معه من يحفظ كل ما نشر منها ما دام هو يغسل بقيتها لوجب القطع على من سرق شيئا منها، وكذلك الصباغ الذي نشر ثيابه على حبال يمدها في الطريق لو جعل عليها حارسا يحرسها لوجب القطع على من سرق شيئا منها، وقوله في هذه الرواية إن على من سرق شيئا منها القطع إذا لم يكن حارس هو على قياس قوله في المدونة في الذي يسرق ثوب الرجل وهو منشور على حائط بعضه في الدار وبعضه خارج من الدار إنه لا قطع عليه، وقد روي عن مالك في حبل الصباغ والقصار أنه يقطع من سرق منه، قال ابن القاسم: ولا فرق بين حبل قديم وحديث، وأنكر قول من فرق بينهما، قال سحنون: أكثر الرواية يقطعون في الثوب المنشور على الحائط وهو رأيي، ويرد قول ابن القاسم في ذلك قوله في الذي يسرق الثوب الملقى على ظهر البعير إنه يقطع، فالأظهر فيما نشر الصباغ على حباله في الطريق أن يقطع من سرق منها وإن لم يكن عليها حارس؛ لأن وضعه إياها على حباله حرز لها، والأظهر فيما نشر الغسال من الثياب التي غسلها فسرق منها وهو مشتغل بغسل بقيتها ألا قطع على سارقها لأنها في الحال كالمهملة دون حارس، ولو سرق منها سارق شيئا بعد أن أكمل غسل جميعها وجلس يحفظها لوجب أن يقطع يده قولا واحدا وبالله التوفيق.

.مسألة دراهم تكون عندنا تنقص الخروبة والثلاث حبات هل يقطع في ثلاث دراهم منها:

ومن كتاب أخذ يشرب خمرا:
قال: وسألت ابن القاسم عن دراهم تكون عندنا تنقص الخروبة والثلاث حبات، هل يقطع في ثلاث دراهم منها؟ قال: لا، ولا يقطع إلا في ثلاث دراهم قائمة إذا كانت تنقص خروبة نقصت نحوا من خمس درهم وأحب إلي أن يدرأ الحد بالشبهة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن نقصان خروبة أو ثلاث حبات من كل دراهم نقصان كثير يتفق الموازين على نقصانه، فإنما قال والله أعلم فأحب إلي أن يدرأ الحد بالشبهة إذا كانت تجوز بجواز الوازنة، ولو كانت لا تجوز بجواز الوازنة لسقط الحد على كل حال، ولأصبغ في كتاب ابن المواز أنه إذا نقص من كل درهم مثل الحبتين فيقطع، ومعنى ذلك والله أعلم إذا كانت تجوز بجواز الوازنة؛ لأن الحبة مما يمكن أن تختلف فيه الموازن، فإذا كان النقصان يسيرا تختلف فيه الموازن وتجوز بجواز الوازنة قطع بلا إشكال، وإذا كان النقصان كثيرا يتفق عليه الموازن ولا تجوز بجواز الوازنة لم يقطع بلا إشكال، وإذا كان النقصان كثيرا وهي تجوز بجواز الوازنة أو قليلا وهي لا تجوز بجواز الوازنة فالصواب أن يدرأ الحد بالشبهة على ما قاله في الرواية، وهذا على قياس قولهم في اعتبار النقصان في نصاب الزكاة، فإذا كان النقصان يسيرا وهي لا تجوز بجواز الوازنة وجبت فيها الزكاة، وإذا كان النقصان كثيرا وهي لا تجوز بجواز الوازنة لم تجب فيها الزكاة وإذا كان النقصان كثيرا وهي تجوز بجواز الوازنة أو يسيرا وهي لا تجوز بجواز الوازنة فقيل إن الزكاة تجب فيها، وقيل إنها لا تجب وبالله التوفيق.

.مسألة الدواب التي تكون في الربيع فتسرق منها دابة:

ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها:
وسئل مالك عن الدواب التي تكون في الربيع وقومتها معها مقيمون يبيتون معها فتسرق منها دابة وهي على أوتادها مربوطة أترى أن يقطع من سرقها؟ قال: ما أراها إلا من ناحية المرعي وما يعجبني، قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
قال محمد بن رشد: روى ابن وهب عن مالك مثله وقال ابن وهب أما أنا فكنت أرى عليه القطع إذا جاء إلى مرابطها بالليل أو النهار فحلها فأرى عليه القطع، ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك في هذه الرواية أنها لما كانت في المرعى وكان قومتها ينقلونها من موضع إلى موضع يربطونها فيه للأكل لئلا تشتغل عنه إن كانت مسرحة لم ير تلك المراح حوزا لها، وأشبه كونها مسرحة في الرعي، ووجه قول ابن وهب أن كل موضع يربط فيه فقد صار حوزا لها كالدابة إذا ربطت بالفناء أن ذلك يكون حوزا لها.

.مسألة سرق من الحمام:

وسئل عمن سرق من الحمام، قال: إن الحمام ربما أخطأ الرجل وربما اعتلوا ولقد قلت لصاحب السوق آمره أن يضمن أصحاب الحمامات ثياب الناس فيضمنونها أو يأتوا بمن يحرسها، وأمرته أن يضمنهم ثياب الناس الذين يدخلون الحمام، قال سحنون يعني بقوله اعتلوا بقول أحدهم إني ظننت أنه ثوبي.
قال محمد بن رشد: اعتلاله لو سرق من الحمام أنه لا يقطع بقوله إن الحمام ربما أخطأ الرجل وربما اعتلوا يجب أن يحمل على التفسير لما في المدونة وغيرها من أنه لا قطع على من سرق من الحمام ثياب الناس إذا دخل من مدخلهم إلا أن يكون معها من يحفظها قطع سارقها إلا أن يقول أخطأت أو ظننت أنه ثوبي فيصدق في ذلك ولا يقطع إذا أشبه ما يقول ولم يتبين في ذلك كذبه، بدليل قوله في هذه الرواية ولو لم يكن معها من يحفظها فسرق السارق ثوب أحدهم وهو حاضر مع ثيابه قبل أن يتحمم أو بعد أن تحمم لوجب عليه القطع لأن متجرد الحمام مشترك بين جميعهم فلا يقطع من سرق من ثياب أحدهم شيئا إلا أن يكون المسروق منه مع ثيابه على ما قاله في سماع أشهب بعد هذا في القوم ينزلون في المسجد فيسرق السارق متاع أحدهم أنه لا قطع عليه إلا أن يكون مع متاعه، وإذا كان مع الثياب في الحمام من يحرسها فسرقها سارق فلا قطع عليه حتى يخرج بها من الحمام على قياس ما قاله في المسألة الثانية من أول رسم من السماع إذا دخل يتحمم لأنه قد أذن له في ذلك، بخلاف من سرق من المسجد ما يجب فيه القطع عليه أنه يقطع إذا أزال ما سرقه من موضعه وإن لم يخرج به من المسجد، وأما إذا دخل للسرقة وأخذ قبل أن يخرج من الحمام فيجري ذلك على الاختلاف في الأجنبي يسرق من بعض بيوت الدار المشتركة بين السكان، فيؤخذ في الدار قبل أن يخرج منها حسبما مضى بيانه في أول رسم من سماع ابن القاسم هذا وقد مضت هذه المسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب تضمين الصناع وذكرنا هناك معنى ما ذهب إليه مالك بقوله ولقد قلت لصاحب السوق إلى آخر قوله، فلا معنى لإعادته.

.مسألة القمح الذي يحصد ويوضع في مواضعه أياما لييبس فيسرق منه:

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه:
وسئل عن القمح والفرط زرع أهل مصر الذي يحصد ويوضع في مواضعه الذي يحصد أياما لييبس فيسرق منه أترى على من يسرق منه قطعا؟ قال: إنما جاء الحديث: «فإذا آواه المراح أو الجرين» فهذا ليس بمراح عندي ولا جرين، قلت له: ولا ترى فيه قطعا؟ فقال: ما هو عندي بين، وما هو مراح ولا جرين، ثم قال لي: فأين يدرس؟ قلت له: في الجرين، فقال: هذا بين إذا سرق منه، فكأنه يريد القطع، قال ابن القاسم: إنما يريد الجرين.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله في هذه الرواية أنه لا قطع في الزرع بعد أن يحصد إذا ترك في موضعه ما لم ينقل إلى الجرين خلاف ما في أول رسم من سماع أشهب من أن الزرع إذا حصد فجمع من الغائط في موضع ليحمل إلى الجرين أن على سارقه القطع، ومن الناس من تأولها فلم يحملها على الخلاف وقال هي رواية ابن القاسم أن الزرع لما حصد ترك في موضعه ولم يضم بعضه إلى بعض، فلذلك لم ير القطع على من سرقه، بخلاف إذا جمع بعضه إلى بعض بعد أن يحصد ليحمل إلى الجرين على ما قاله في رواية أشهب وهو ظاهر من لفظ الرواية لأنه قال فيها: لأنه قد جمع وضم بعضه إلى بعض، والأظهر في المعنى أنه اختلاف من القول، ولا فرق إذا حصد ما لم ينقل إلى الجرين بين أن يجمع بعضه إلى بعض أو لا يجمع، وإلى هذا ذهب ابن المواز واختار رواية ابن القاسم فقال: هذا أحب إلي، فيتحصل في هذا ثلاثة أقوال، أحدها أن يقطع من سرقه بعد أن يحصد ضم بعضه إلى بعض أو لم يضم، والثاني أنه لا يقطع سارقه ضم بعضه إلى بعض أو لم يضم حتى ينقل إلى الجرين، والثالث الفرق بين إن سرق بعد أن يضم بعضه إلى بعض أو قبل ذلك، وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا لم يكن عليه حارس، وأما إذا كان عليه حارس فلا اختلاف في أن على سارقه القطع، وكذلك إن كان الزرع في حائط لا اختلاف أحفظه نصا في وجوب القطع على من سرقه بعد أن يحصد وإن كان في موضعه قبل أن ينقل أو يجمع أو بعد ذلك على ما قاله في رسم إن أمكنتني من سماع عيسى بعد هذا، وقد يدخل في ذلك اختلاف بالمعنى، فقد روى ابن القاسم في الجدع من النخل يقطع ويوضع في الجنان أنه يقطع سارقه، قال وكذا جميع الشجر، قال محمد: وأظنه لا حرز لها إلا حيث ألقيت فيه، ولو كان إنما وضعت لتحمل إلى حرز لها معروف لم تقطع حتى تضم إليه، وهذا أحب إلي، قال وأحب فيه اختلافا، ومالا حرز له كالمقاتي وشبهها فالقطع على من سرقها بعد أن يجمع في الموضع الذي تحمل منه للبيع على ما قاله أصبغ ورواه عن ابن القاسم بعد هذا في رسم الحدود من سماعه، وإذا سرق الزرع في الطريق إلى الجرين فالقطع على سارقه قولا واحدا من أجل كون حامله معه، ومن سرق من ثمر نخلة قبل أن تجد وهي في دار رجل قطع إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار، بخلاف الحوائط والبساتين، قاله في كتاب ابن المواز وبالله التوفيق.

.مسألة سرق العبد من مال ابن سيده:

ومن كتاب سعد في الطلاق:
قال ابن القاسم قال مالك: وإن سرق العبد من مال ابن سيده قطعت يده.
قال محمد بن رشد: رأيت لأحمد بن خالد، قال: أخبرني إبراهيم بن محمد بن باز قال: سئل يحيى بن يحيى عن عبد سرق من مال ابن سيده ما يجب فيه القطع؟ قال فسألته فقال: إن كان في حضانة أبيه فلا قطع عليه وإن كان قد بان عليه فعليه القطع، قال: فأخبرت سعيد بن حسان بقوله فما أعجبه، قال إبراهيم بن محمد: فلما رحلت سألت عنها سحنون بن سعيد فقيه القيروان، فقال لي: كان ابن القاسم يروي عن مالك أن عليه القطع وابن وهب يروي عنه ألا قطع عليه ولكلا الروايتين عن مالك وجه، والأظهر إيجاب القطع عليه؛ لأن القطع معلق بالضمان، ألا ترى أن العبد لما كان إذا سرق من مال سيده لم يقطع فيه من أجل أنه لا يضمنه وجب أن يقطع فيما سرق من مال ابن سيده من أجل أنه يضمنه، ألا ترى لو استهلك مال ابن سيده لكانت جناية في رقبته يدفعه بها سيده إلى ابنه أو يفتديه، فإذا كان لابنه أن يأخذ العبد في جنايته عليه في ماله وجب إذا سرقه أن تقطع يده إذ لا حرمة بينه وبينه يدرأ الحد بها وإنما الحرمة فيما بين مولاه وبينه لأنه ابنه فهو الذي لا يقطع في ماله إن سرقه عبدا كان أو حرا، وهو قول ابن القاسم رواه عنه محمد بن خالد في سماعه بعد هذا من هذا الكتاب؛ لأنه لا يقطع العبد إذا سرق من مال ابنه الحر، قال وكذلك إن سرق من مال ابنه العبد؛ لأن مال ابنه العبد له حتى ينتزعه منه سيده.
واختلف في الجد يسرق من مال ابن ابنه، فقال ابن القاسم لا يقطع، وقال أشهب يقطع ويقطع من سواهم من القرابات، ووجه القول بأنه لا يقطع العبد إذا سرق من مال ابن سيده قوله في الحديث: «أنت ومالك لأبيك». فلما كان مال الابن كأنه مال الأب لم ير أن يقطع يد عبد الأب فيه، إذ لا يقطع العبد إذا سرق مال سيده، وهو ضعيف؛ لأنه إنما لم يقطع العبد إذا سرق من مال سيده إذ لا يجمع على السيد عقوبتان: ذهاب ماله وقطع يد غلامه، ووجه تفرقة يحيى بن يحيى بين أن يكون الابن في حضانة أبيه أو لا يكون في حضانته هو أنه إذا كان في حضانته فهو الحائز لماله وقد قال في كتاب محمد بن المواز إن العبد إذا سرق من وديعة عند سيده الأجنبي من بيت لم يؤمن على دخوله لم يقطع، وإذا لم يقطع فيما حازه سيده الأجنبي فأحرى ألا يقطع فيما حازه لابنه فهي تفرقة جيدة وبالله التوفيق.

.مسألة الحرز إنما هو على ما جرت به عادة الناس:

وقال مالك في مطامر يجعل الناس فيها أطعماتهم يخزنونها فيها، منها ما يغيب ويعفي حتى لا يعرف موضعها بالفلاة وبحضرة الدار، ومنها ما يكون بينا بحضرة أهله فيسرق منه قيمة ثلاثة دراهم أو أكثر، قال مالك: أما ما كان في الفلوات قد عفا عليه وأسلمه صاحبه ولا خفاه فلا أرى فيها قطعا والله أعلم، وأما ما كان بحضرة أهله معروفا بيننا فالقطع على من سرق منه قيمة ثلاثة دراهم فصاعدا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن الحرز إنما هو على ما جرت به عادة الناس أن يحرزوا به امتعاتهم، فمن أسلم طعامه وتركه في الفيفاء قد عفى عليه وأسلمه وأعفاه فليس في حرز إذ ليس يحرز أحد طعامه بهذا، بل من فعل ذلك فقد أهمله وعرضه للتلف.

.مسألة لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل:

من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الحدود قال سحنون أرانا أشهب قال سئل مالك عن الدار المسكونة يكون للرجل فيها الشاة والآخر شاتان فيكون في الدار فيغلق الباب بالليل فيأتي الرجل فيتسور من الجدار وهو قصير فيأخذها فيذهب بها أتراه سارقا؟ فقال: نعم، وعليه القطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله وفيه النص، وهو قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن».

.مسألة السرقة من مساجد يحرس فيها ليست لها أبواب تغلق:

وسئل فقيل إن عندنا بالإسكندرية مساجد يحرس فيها ليست لها أبواب تغلق، من شاء دخلها وخرج منها فربما قام بعضنا إلى البحر يتوضأ وسيوفنا معلقة في المسجد وهو مسجد يدخل ويخرج منه بغير إذن فربما خالفنا إليه السارق فيسرق منها والأمير في المسجد يؤخذ وقد خرج من المسجد، فقال: ما أرى عليه قطعا، سرقه وصاحبه ليس عنده وقد تركه هكذا، قيل له ألا ترى عليه قطعا، فقال: ما أرى ذلك إنما سرقه وليس صاحبه عنده، ولو سرقه وصاحبه عنده كان في ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال المسجد مشترك بجميع الناس فنزولهم فيه بخلاف نزول الرفقاء في الأسفار في الصحاري؛ لأنهم إذا نزلوا في الصحراء صار منزل كل واحد منهم حرزا لمتاعه كان معه أو قام عنه وتركه، إذ لا شركة لأحد معه في موضع نزوله، وإذا نزلوا في المسجد لم يكن موضع نزوله حرزا لمتاعه إلا أن يكون معه، فإن كان معه وسرق منه سارق قطع وإن أخذ بما سرق منه قبل أن يخرج من المسجد، والأصل في هذا ما ثبت من أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقطع يد سارق رداء صفوان من المسجد إذ سرقه منه وقد توسده وبالله التوفيق.

.مسألة السرقة من الزرع يحصد فيجمع من الغائط ليحمل إلى الجرين:

سئل عن الزرع يحصد فيجمع من الغائط في موضع ليحمل إلى الجرين فربما كان عليه من يحرسه فيجيء السارق يسرق منه قتاتا يجب في قيمتها القطع أترى عليه قطعا؟ فقال: نعم فيما أرى الآن عليه القطع، فإنما هم عندي بمنزلة الزرع إذا آواه الجرين لأنه قد جمع هاهنا في الغائط وضم بعضه إلى بعض وصار له حرزا، وربما ترك هناك الزمان الطويل لكثرة ذلك عليهم، قيل له وليس ذلك عندك بمنزلة الزرع القائم ولا في رؤوس الشجر من الثمر بمنزلة ما في أصولها قد حصد ووضع في أصلها فأرى على هذا القطع وأرى الزرع إذا حصد ربما أقام الشهر ونحوه في الغائط قبل أن ينقل لكثرة ذلك عليهم وغلبته إياهم، فهذا بين أن في ذلك القطع، قلت له أترى أن تقطع من سرق من ذلك شيئا يجب فيه القطع كان عنده حارس أو هو حارس عنده، فإنه ربما سرق منه الشيء من الغائط ولا حارس عنده، ومنهم من يحرس ذلك، فقال لي: ومن يستطيع أن يحرس هذه السنة كلها أو ما أقام في ذلك الموضع وهذا أمر يطول، وأرأيت الجرين إذا سرق منه ولا حارس عنده فأرى على السارق فيه القطع وإن لم يكن عنده حارس، فأنا أرى هذا الذي سألت عنه مثل ما سرق من الجرين.
قال محمد بن رشد: قوله إن القطع على من سرق من الجرين كان عليه حارس أو لم يكن، معناه إذا كان بالقرب وفي المواضع المعلومة لها وأما إذا كان في الصحراء فقد قال أشهب إنه لا قطع على من سرق منه إذا لم يكن عليه حارس، وقد مضى بقية القول في هذه المسألة المعلومة في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم.

.مسألة سئل أسرقت قال أي والله لقد سرقت وما عندي مما سرقت إلا هذا الدرهم:

ومن كتاب السرقة:
وسئل مالك عمن اتهم بالسرقة فأخذ فيها فسئل أسرقت؟ قال: أي والله لقد سرقت، وما عندي مما سرقت إلا هذا الدرهم فهو يقر بالسرقة ولا يعطيهم شيئا إلا الدرهم يقول قد ذهب ذلك كله مني إلا هذا الدرهم، فهو يقر بالسرقة ولا يعطيهم شيئا، قال أما القطع فلا أرى عليه قطعا، لم يأت بشيء يحق ذلك عليه، ولا أراه وجب عليه في هذا قطع، لم يأت بأمر يقين ولا بأمر تعين ولا شهادة عليه ولا هو جاء بمتاع يعرف أنه مسروق منه ولا يعرف الدرهم، فلا أرى عليه قطعا، وأرى أن يعاقب.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم العتق من سماع عيسى بعد هذا خلاف ظاهر ما في المدونة، ولا اختلاف أحفظه في أنه يقطع بغير تعين إذا أقر قبل أن يؤخذ، ولا في أنه لا يقطع دون تعيين إذا أقر بعد التهديد، وإنما اختلف هل يقطع مع التعيين إذا كان إقراره بعد التهديد ورجوعه عما أقر به على نفسه من السرقة مبني على هذا التقسيم؛ لأنه كلما قوي وجوب القطع ضعف إعمال الرجوع، فإذا أقر على نفسه بالسرقة قبل أن يؤخذ ثم رجع عن إقراره فقيل إنه يقبل رجوعه، وقيل إنه لا يقبل إلا أن يقول إنما أقررت لوجه كذا وكذا، فإن أقر بالسرقة قبل أن يؤخذ وعينها ثم رجع عن إقراره فقيل إنه لا يقبل رجوعه، وقيل إنه يقبل إذا قال أيضا أقررت لوجه كذا وكذا، فإن أقر بالسرقة بعد أن يؤخذ ولم يعين ثم رجع على القول بأنه يقطع دون تعيين قبل رجوعه وإن جحد الإقرار ولم يأت لرجوعه عنه بوجه قولا واحدا وهو ظاهر ما في كتاب ابن المواز، قال ومن أقر بالسرقة بغير محنة ثم رجع فإنه يقال ولا يقطع ويتبع في عدمه، ولو ثبت على إقراره لم يتبع في عدمه وقطع وإن أقر بالسرقة بعد أن يؤخذ وعينها ثم رجع فذلك بمنزلة إذا أقر قبل أن يؤخذ ولم يعين ثم رجع لوجوب القطع في الوجهين جميعا باتفاق، فقيل إنه يقبل رجوعه، وقيل إنه لا يقبل إلا أن يقول إنما أقررت لوجه كذا وكذا، وإن أقر بالسرقة بعد التهديد وعينها ثم رجع عن إقراره على القول بأنه يقطع إذا عين ما سرق فذلك بمنزلة إذا أقر بالسرقة بعد أن يؤخذ ولم يعينها للاختلاف في وجوب القطع عليه في الوجهين جميعا، فيقبل رجوعه وإن جحد الإقرار ولم يأت لرجوعه عنه بوجه يذكره، واختلف على القول بأنه لا يقطع إذا أقر وإن عين إذا كان إقراره بعد التهديد أو الضرب إن تمادى على إقراره وهو آمن فقيل أنه يقطع، وقيل إنه لا يقطع فهذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة، وسيأتي طرف منها في رسم نقدها ورسم العتق من سماع عيسى وفي سماع محمد بن خالد وبالله التوفيق.

.مسألة مسافرين ضربوا أخبيتهم فسرق بعضهم من بعض:

وسئل عن المسافر ينزل بأرض فلاة فيضرب فيها خباه، فمن متاعه ما يدخله الخباء ومنه ما يكون خارجا منه، وينيخ إبله أفترى على من سرق من متاعه الذي في الخباء أو خارجا منه قطعا، وإن سرق شيئا من إبله المناخة؟ فقال: نعم أرى عليه القطع، ومن الناس من ليس له خباء فأرى القطع على من سرق من إبلهم المناخه معلفة كانت أو غير معلفة إذا كانت قرب صاحبها عندها: أرأيت الذي جاء عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا آواه المراح أو الجرين» أيكون على المراح والجرين حرز.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف في ذلك أحفظه في المذهب؛ لأنه قد صار الموضع الذي نزل من الفلاة منزلا له وحرزا لمتاعه لا شرك لأحد معه فيه، فوجب القطع على من سرق منه كان حاضرا مع متاعه أو غائبا عنه.
وإن كانوا جماعة مسافرين ضربوا أخبيتهم فسرق بعضهم من بعض قطع، وقاله في كتاب محمد، قال محمد: يريد ما لم يكونوا من أهل خباء واحد وقال مالك في الرفقة ينزلون في الفلاة كل قوم على حدة ويضم كل رفقاء متاعهم على حدة إلا أنهم نزلوا بموضع واحد، فإن سرق بعضهم من بعض فذلك كالدار المشتركة ذات المقاصر، فلا يقطع إن سرق بعضهم من بعض، ومن سرق منهم من غير رفقائه أو من غير أهل خباءه قطع، والخباء نفسه إذا سرق قطع سارقه، قال محمد: وأما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض فلا قطع عليه، وهي كالحرز الواحد إلا أن يسرق منهم أحد من غيرهم مستسرا فليقطع إن أخرج ذلك من المركب ويقطع من سرق السفينة إلا أن تكون مخلاة لا أحد فيها، وقول محمد في أهل السفينة إنه لا قطع في سرقة بعضهم من بعض يريد إذا لم يكن المسروق منه على متاعه على ما حكاه ابن القاسم عن مالك في رسم أوصى من سماع عيسى بعد هذا هو نحو قول مالك في الرفقة ينزل كل قوم من أهلها على حدة ويضم كل رفقاء منهم متاعه على حدة أنه لا قطع في سرقة بعضهم من بعض؛ لأن معناه إذا لم يكن المسروق منه مع متاعه، وأما قوله إن ذلك كالدار المشتركة ذات المقاصر فلا يقطع إن سرق بعضهم من بعض لأن المعروف في الدار المشتركة بين السكان خاصة أن القطع واجب على من سرق منهم من بيت صاحبه حسبما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.

.مسألة لا قطع على من سرقه في مرات:

وسئل عن الذي يسرق ما لا يجب عليه فيه القطع فلا يظهر عليه حتى سرق ما لا يجب فيه القطع ثم يظهر عليه وقد اجتمع في ذلك ما يجب فيه القطع، قال: لا أرى عليه قطعا حتى يسرق في مرة ما يجب فيه القطع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، وهو مما لا اختلاف فيه لأنه ما يجب فيه القطع محدود، فلا قطع على من سرقه في مرات.